زائر منتصف الليل: لعنة السائل الغامض في قرى الصعيد
تعتبر قرى الصعيد في مصر مستودعاً للحكايات التي تمزج بين الواقع والخيال، حيث تهمس الجدران القديمة بقصص لا يجرؤ الكثيرون على سردها في وضح النهار. ومن بين هذه الحكايات، تبرز قصة "الزائر الغامض"، التي تتقاطع فيها خيوط العطاء الإنساني مع كيانات لا تنتمي لعالمنا البشري.
 |
| زائر منتصف الليل: لعنة السائل الغامض في قرى الصعيد |
زائر منتصف الليل: لعنة السائل الغامض في قرى الصعيد
السكون الذي يسبق العاصفة
في قرية "برخيل" الهادئة، حيث تنام البيوت مبكراً وتلف الظلمة الدروب الضيقة، بدأت سلسلة من الأحداث التي لم يجد العلم لها تفسيراً حتى يومنا هذا. كان "ياسين" (اسم مستعار لبطل القصة) شاباً في مقتبل العمر، يعيش مع عائلته في بيت ريفي بسيط. كانت الحياة تسير بإيقاعها المعتاد، حتى تلك الليلة من عام 2005، الليلة التي طرق فيها "الخوف" بابهم لأول مرة.
- كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، والقرية غارقة في صمت مهيب لا يقطعه إلا عواء الكلاب البعيدة. فجأة، تعالت طرقات رتيبة على باب الدار. طرقات لم تكن قوية، لكنها كانت تملك صدىً يخترق الصدور.
الزائر الأعور.. حين يختفي اسم الله
فتح الأب الباب، ليجد أمامه هيئة رجل عجوز، منحني الظهر بشكل مبالغ فيه، يرتدي جلباباً رثاً يجر خلفه على الأرض وكأنه يغطي شيئاً ما. كان وجهه مشوهاً بطريقة تثير القشعريرة؛ عينه اليمنى لم تكن موجودة، بل كان الجلد مسحوباً ومنكمشاً فوق محجر العين الفارغ، وكأنها لم تُخلق قط.
مد العجوز يده المرتجفة قائلاً بصوت أجش وحيادي: "صدقة يا ولاد الحلال..".
استوقف هذا النداء "ياسين" الذي كان يراقب المشهد من خلف أبيه. في ثقافتنا، عادة ما يقرن السائل طلبه بذكر الله أو الدعاء بالبركة، لكن هذا الرجل لم يذكر اسم الخالق أبداً. كان يكتفي بتلك الجملة، وكأن الكلمات المقدسة ثقيلة على لسانه أو محرمة عليه.
- أعطاه الأب ما تيسر من مال وطعام. أخذ العجوز الصدقة بصمت مطبق، ولم ينطق بكلمة شكر واحدة. استدار ومشى بطريقة غريبة، خطواته كانت توحي بثقل غير طبيعي، وبمجرد وصوله إلى نهاية الزقاق، بدأت كلاب القرية في الهياج والنواح بشكل هيستيري، وكأنها ترى شيطاناً يمر أمامها.
تكرار الزيارة وتصاعد الشكوك
تكررت الزيارات. أصبح العجوز يظهر ثلاث مرات في الأسبوع، دائماً في نفس التوقيت المتأخر. وفي كل مرة، كان ياسين يشعر بانقباض في صدره. حاول ياسين في إحدى المرات أن يستدرجه للكلام، سأله: "من أين أنت يا حاج؟"، فنظر إليه العجوز بعينه الوحيدة نظرة فاحصة، باردة، وخالية من أي مشاعر بشرية، وأجاب بكلمة واحدة: "من هنا".
- لكن "هنا" لم تكن تعني القرية، فكل سكان "برخيل" يعرفون بعضهم البعض، وهذا الوجه لم يكن مألوفاً لأحد. ما زاد الأمر رعباً هو ما لاحظه ياسين في إحدى الليالي؛ عندما ألقى نظرة خاطفة من ثقب الباب قبل فتحه، رأى العجوز واقفاً بجمود تام، لا يتنفس، ولا يتحرك، وكأنه تمثال من الشمع ينتظر إشارة للعمل.
الحريق الغامض.. نيران من عالم آخر
بلغت القصة ذروتها عندما قرر ياسين مواجهة هذا الكيان. في ليلة عاصفة، وعندما مد العجوز يده ليأخذ الصدقة، قال له ياسين بحزم: "قل بسم الله يا عم الحاج".
في تلك اللحظة، تغيرت ملامح العجوز. تشنج وجهه، واتسعت عينه الوحيدة بشكل مرعب، واهتز جسده بالكامل قبل أن يستدير ويختفي في الظلام بسرعة لا تناسب سنه ولا انحناء ظهره.
- بعد خمسة أيام فقط من تلك المواجهة، اندلع حريق هائل في مطبخ منزل ياسين. لم يكن حريقاً عادياً؛ فقد أكد الفنيون لاحقاً أنه لا يوجد ماس كهربائي، ولا تسرب للغاز. النار كانت تلتهم الخشب من الداخل إلى الخارج، وكانت تترك بقعاً سوداء غريبة على الحوائط في أماكن بعيدة عن مصدر اللهب. كان الأمر وكأن "النار" قد استُدعيت من العدم لتنتقم.
الكوابيس وحوافر الماشية
بدأت الكوابيس تهاجم ياسين كل ليلة. كان يرى العجوز في منامه، لكن هذه المرة دون جلباب يغطي قدميه. في الحلم، لم تكن قدم العجوز قدماً بشرية، بل كانت تنتهي بـ"حوافر" مشقوقة كحوافر الماعز أو الدواب. كان العجوز يطوف حول سريره ويهمس في أذنه بنفس الجملة: "صدقة يا ولاد الحلال"، لكن الصوت في الحلم كان يتحول إلى فحيح أفعى.
- تدهورت صحة الأب بشكل مفاجئ وغير مفهوم، وفارق الحياة بعد أسابيع قليلة. وفي يوم الجنازة، وسط زحام المعزين، لمح ياسين العجوز نفسه واقفاً عند طرف المقابر، يراقب المشهد ببرود. وعندما استنجد بعمه ليريه الرجل، اختفى العجوز في لمحة بصر، وكأنه تبخر في الهواء.
التفسير الخفي: هل هم "عمار المكان"؟
يرى خبراء الميتافيزيقيا والظواهر الخارقة أن مثل هذه الكيانات قد تكون من "الجن المتشكل" أو ما يعرف في الفلكلور الشعبي بـ"السعلاة". هذه الكيانات تظهر أحياناً لاختبار كرم البشر أو لاستنزاف طاقتهم، وغالباً ما تتجنب ذكر اسم الله لأن الاهتزازات الروحية للأسماء المقدسة تؤذي تكوينهم الأثيري.
- ظاهرة الحرائق التلقائية في قرية "برخيل" بسوهاج ليست مجرد خيال؛ فقد سجلت الصحف المصرية حوادث حقيقية لبيوت تشتعل فيها النيران دون سبب، مما دفع مشايخ الأزهر والقساوسة لزيارة القرية ومحاولة تهدئة الأوضاع والقراءة في البيوت المنكوبة.
الخاتمة: هل انتهت القصة؟
انتقل ياسين للعيش في القاهرة هرباً من تلك الذكريات، وهو الآن رجل في الأربعين من عمره. لكنه حتى اليوم، كلما سمع طرقاً على الباب في وقت متأخر، يتجمد الدم في عروقه. فالمشكلة ليست في السائل الذي يطلب الصدقة، بل في أولئك الذين يطرقون أبوابنا وهم لا ينتمون لعالمنا، أولئك الذين يسكنون الظلال وينتظرون كلمة واحدة ليفتحوا لنا أبواب الجحيم.
- إذا كنت من سكان صعيد مصر، أو سمعت قصصاً مشابهة عن "زوار الليل" أو "الحرائق الغامضة"، شاركنا بتجربتك في التعليقات، فربما تكون قصتك هي المفتاح لفهم هذا الغموض الذي يلف قرانا.